محمد بن جرير الطبري
47
جامع البيان عن تأويل آي القرآن ( تحقيق شاكر )
وقال الشافعي : لم أعلم مخالفا في أن المرافق فيما يغسل " ، كأنه يذهب إلى أن معناها : فاغسلوا وجوهكم وأيديكم إلى أن تُغْسَل المرافق = حدثنا بذلك عنه الربيع . ( 1 ) * * * وقال آخرون : إنما أوجب الله بقوله : " وأيديكم إلى المرافق " غسلَ اليدين إلى المرفقين ، فالمرفقان غايةٌ لما أوجب الله غسله من آخر اليد ، والغاية غير داخلة في الحدِّ ، كما غير داخل الليلُ فيما أوجب الله تعالى على عباده من الصوم بقوله : ( ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ ) [ سورة البقرة : 187 ] لأن الليل غاية لصوم الصائم ، إذا بلغه فقد قضى ما عليه . قالوا : فكذلك المرافق في قوله : " فاغسلوا وجوهكم وأيديكم إلى المرافق " غاية لما أوجب الله غسلَه من اليد . وهذا قول زُفَر بن الهذيل . ( 2 ) * * * قال أبو جعفر : والصواب من القول في ذلك عندنا : أن غسل اليدين إلى المرفقين من الفرض الذي إن تركه أو شيئا منه تارك ، لم تجزه الصلاة مع تركه غسلَه . فأما المرفقان وما وراءهما ، فإن غسل ذلك من الندب الذي ندبَ إليه صلى الله عليه وسلم أمته بقوله : 11432 - " أمتي الغرُّ المحجلون من آثار الوضوء ، فمن استطاع منكم أن يُطيل غُرَّته فليفعل " . ( 3 )
--> ( 1 ) هذا كله نص الشافعي في الأم 1 : 22 ، إلا أن فيه : " كأنهم ذهبوا إلى أن معناها . . . " ( 2 ) " زفر بن الهذيل بن قيس العنبري " ، أبو الهذيل ، صاحب أبي حنيفة . كان من أصحاب الحديث ، ثم غلب عليه الرأي ، فكان من أصحاب أبي حنيفة . ( 3 ) هذا حديث صحيح ، لم يذكر إسناده ، ورواه البخاري ( الفتح 1 : 207 ، 208 ) ولفظه : " إن أمتي يدعون يوم القيامة غرا محجلين " ، بمثله . و " الغر " جمع " أغر " ، أي ذو غرة ( بضم الغين وتشديد الراء ) ، وهي لمعة بيضاء ، تكون في جبهة الفرس ، وأراد بذلك النور الذي يكون في وجوه أهل الإيمان بمحمد صلى الله عليه وسلم وبما جاء به ، واهتدوا بهديه . و " المحجلون " من " التحجيل " ، وهو بياض يكون في ثلاث قوائم من قوائم الفرس . وهذه سيما المؤمنين الذين اتبعوه صلى الله عليه وسلم يوم القيامة .